عبد الرحمن السهيلي

195

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

الذي يغطيه الشجر والنبات ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي بإحراق متاع الغال ، وأخذت به طائفة من الفقهاء ، منهم أحمد وإسحق . فصل : وذكر قوله سبحانه : « ولا تَحْسَبَن الذين قُتِلوا في سَبِيلِ اللّه » الآيات ، وهؤلاء هم الذين سماهم الله شهداء بقوله : « وَيتَّخِذَ منكم شُهَدَاءَ » وهذا الاسم مأخوذ من الشهادة أو من المشاهدة ، فإن كان من الشهادة فهو شهيد بمعنى مشهود ، أي مشهود عليه ، ومشهود له بالجنة ، أما مشهود عليه ، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على قتلى أحد ، قال : هؤلاء الذين أشهد عليهم ، أي : أشهد عليهم بالوفاء ، وقال : عليهم ، ولم يقل : لهم ، لأن المعنى : أجيء يوم القيامة شهيداً عليهم ، وهي ولاية وقيادة ، فوصلت بحرف على ، ويجوز أن يكون من الشهادة وتكون فعيلاً بمعنى فاعل ، لأن الله تعالى يقول : « وتكونوا شُهَدَاءَ على الناس » أي : تشهدون عليهم ، وهذا ، وإن كان عاماً في جميع أمة محمد عليه الصلاة واسلام فالشهداء أولى بهذا الاسم ، إذ هم تبع للصديقين والنبيين . قال الله سبحانه : « فأولئِك مع الذين أَنْعَمَ اللَّهُ عليهم من النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَدَاءَ » فهذان وجهان في معنى الشهيد ، إذا جعلته مشتقاً من الشهادة ، وإن كان من المشاهدة ، فهو فعيل بمعنى : فاعل أيضاً ، لأنه يشاهد من ملكوت الله ، ويعاين من ملائكته ما لا يشاهد غيره ، ويكون أيضاً بمعنى مفعول ، وهو من المشاهدة ؛ أي : إن الملائكة تشاهد قبضه ، والعروج بروحه ، ونحو ذلك ، فيكون فعيلاً بمعنى مفعول . وأولى هذه الوجوه كلها بالصحة أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول ، ويكون معناه . مشهوداً له بالجنة ، أو يشهد عليه النبي عليه السلام كما قال : هؤلاء أنا شهيد عليهم ، أي : قيم عليهم بالشهادة لهم ، وإذا حشروا تحت لوائه ، فهو وال عليهم ، وإن كان شاهداً لهم ، فمن ها هنا اتصل الفعل بعلي ، فتقوى هذا الوجه من جهة الخبر ، ومن وجه آخر من العربية ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الشهداء قال : والمرأة تموت بجمع شهيد ، ولم يقل : شهيدة ، وفي رواية أخرى قال : والنفساء شهيد يجرها جنينها بسرره إلى الجنة ، ولم يقل : شهيدة وفعيل إذا كان صفةً لمؤنث كان بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول ، نحو : امرأة قتيل وجريح ، وإن كان بمعنى فاعل ، كان بالهاء كقولهم : امرأة عليمة ورحيمة ، ونحو ذلك ، فدل على أن الشهيد مشهود له ، ومشهود عليه ، وهذا استقراء من اللغة صحيح ، واستنباط من الحديث بديع ، فقف عليه . وذكر ابن إسحاق حديث ابن عباس المرفوع ، وفيه أن الله جعل أرواحهم في أجواف طير خضر ، وعن قتادةً قال : ذكر لنا أن أرواح الشهداء نتعارف عند السدرة في أجواف طير بيض ، وقد أنكر هذه الرواية قوم ، وقالوا : لا يكون روحان في جسد واحد ، وإن ذلك محال ، وهذا جهل بالحقائق ، فإن معنى الكلام بين ، فإن روح الشهيد الذي كان في جسده في الدنيا ، يجعل في جسد آخر كأنه صورة طائر ، فيكون في هذا الجسد الآخر ، كما كان في الأول ، إلى أن يعيده الله يوم القيامة كما خلقه ، وهذه الرواية لا تعارض ما رووه من قوله : في صور طير خضر ، والشهداء طير خضر ، وجميع الروايات كلها متفقة المعنى ، وإنما الذي يستحيل في العقل قيام حياتين بجوهر واحد ، فيحيا الجوهر بهما جميعاً ، وأما روحان في جسد فليس بمحال إذا لم نقل بتداخل الأجسام ، فهذا الجنين في بطن أمه وروحه غير روحها ، وقد اشتمل عليهما جسد واحد ، وهذا أن لو قيل لهم : إن الطائر له روح غير روح الشهيد ، وهما في جسد واحد ، فكيف ، وإنما قال : في أجواف طير خصر ، أي : في صورة طير خضر ، كما تقول : رأيت ملكاً في صورة إنسان ، وكذلك قوله عليه السلام : إنما نسمة المؤمن طائر